ابن عجيبة

292

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فصار تسنّى ثم حذفت للجازم ، وأتى بهاء السّكت ، وقفا ووصلا ، كالعوض من المحذوف ، وقيل : من السنّه ، وهو التغير ، فالهاء أصلية ، و ( لنجعلك ) : معطوف على محذوف ، أي : لتعتبر ولنجعلك آية للناس . يقول الحق جل جلاله : ألم تر يا محمد أيضا إلى مثل الذي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ ، وهو عزيز ، حبر بني إسرائيل . - وقيل : غيره - مرّ على بيت المقدس حين خربها بختنصر وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة حيطانها عَلى عُرُوشِها أي : سقفها ، وذلك بعد مائة سنة حتى سقطت العروش ، ثم سقطت الحيطان عليها ، فلما رآها خالية ، وعظام الموتى فيها بالية ، قالَ في نفسه : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها أي : متى يقع هذا . اعترافا بالقصور عن معرفة طريق الإحياء ، واستعظاما لقدرة المحيي ، إن كان القائل عزيرا ، أو استبعادا إن كان كافرا ، فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ أي : ألبثه ميتا مائة عام ، ثُمَّ بَعَثَهُ بالإحياء ، فقال له على لسان الملك ، أو بلا واسطة : كَمْ لَبِثْتَ ميتا ؟ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ، وذلك أنه مات ضحى وبعث بعد مائة عام قبل غروب الشمس ، فقال قبل النظر إلى الشمس ( يوما ) ، ثم التفت فرأى بقية منها ، فقال : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ على الإضراب ، قال له الحق جل جلاله : بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ . وذلك أن عزيرا ذهب ليخترف « 1 » لأهله فجعل على حماره سلة عنب وجرّة عصير . فلما مرّ بتلك القرية ربط حماره ، وجعل يتعجب من خرابها وخلائها بعد عمارتها ، فقال في نفسه ما قال ، فلطف اللّه به ، وأراه كيفية الأحياء عيانا ، فأماته مائة عام ، حتى بليت عظام حماره وبقي العصير والعنب كأنه حين جنى وعصر فقال له جل جلاله : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وهو العنب ، وَشَرابِكَ وهو العصير ، لَمْ يَتَسَنَّهْ ، أي : لم يتغير بمرور الزمان وطول المدة ، وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ كيف تفرقت أوصاله ، وبليت عظامه ، فعلنا ذلك بك لتشاهد قدرتنا ، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ بعدك ، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ أي : عظام حمارك ، كَيْفَ نُنْشِزُها ، أي : نحييها ، من نشر اللّه الموتى : أحياها . أو : كَيْفَ نُنْشِزُها بالزاي - أي : نرفع بعضها ، ونركبه عليه ، ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً . فنظر إلى العظام ، فقام كلّ عظم إلى موضعه ، ثم كسى لحما وجلدا ، وجعل ينهق ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ما كان استغربه وأشكل عليه قالَ أَعْلَمُ علم اليقين أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، أو فلما تبين له الحق ، وهو قدرته تعالى على كل شئ ، قال لنفسه : أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .

--> ( 1 ) خرف الرجل يخرف : أخذ من طرف الفواكه ، والمعنى : ذهب ليجتنى الثمر والفواكه .